كل مقالات athkarya

إن الحسنات يذهبن السيئات

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا , فَأَنَا هَذَا فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ , فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ , قَالَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا , فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ , فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلا دَعَاهُ ، وَتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ [ أَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ] فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا لَهُ خَاصَّةً ؟ قَالَ ( بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً ) (1)
رحمة الله جائزة الطائعين , ومرجع التائبين , وملاذ المسرفين من القنوط من عفو رب العالمين ، إنها الغيث الذي تنبت به القلوب المؤمنة , والنور الذي يضيء الطرق الحالكة ، والغيض الذي بلغ المؤمن غاية رشده ، والفيض الذي تعجز الأقلام عن وصف حده ، فرحمة الله تعالى تفيض على عباده جميعا , وتسعهم جميعا وبها يقوم وجودهم وتقوم حياتهم , وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات وجودهم وفي جميع حركاتهم وسكناتهم
قال تعالى ( ‌ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ) الأعراف 156، وقال تعالى ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ) الحجر 49 وقال تعالى ( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ) غافر 1-3 روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام فقيل له : تتابع في هذا الشراب , فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر إلى فلان , سلام عليك وأنا أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو , بسم الله الرحمن الرحيم ( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ) ثم ختم الكتاب , وقال لرسوله لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا , ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة , فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول : قد وعدني الله أن يغفر لي وحذرني عقابه , فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزوع وحسنت توبته , فلما بلغ أمره , قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلة فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه
وقال جل ذكره ( وربك الغني ذو الرحمة ) الأنعام 133 ( وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ) الكهف 58 ( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ) الأنعام 54 , ( كتب على نفسه الرحمة ) الأنعام 12
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة , فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة , فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة , ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار ) (2) وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم ( لو تعلمون قدر رحمة الله لاتكلتم عليها ) (3)
وتمسك بظاهر قوله تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات) المرجئة وقالوا: إن الحسنات تكفر كل سيئة كبيرة كانت أو صغيرة، وحمل جمهور العلماء هذا المطلق على المقيد في الحديث الصحيح ( الصلوات الخمس كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ) (4) فقال طائفة: إن اجتنبت الكبائر كانت الحسنات كفارة لما عدا الكبائر من الذنوب، وإن لم تجتنب الكبائر لم تحط الحسنات شيئا. وقال آخرون: إن لم تجتنب الكبائر لم تحط الحسنات شيئا منها وتحط الصغائر. وقال ابن عبد البر: ذهب بعض أهل العصر إلى أن الحسنات تكفر الذنوب، واستدل بهذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث الظاهرة في ذلك. قال: ويرد الحث على التوبة في أي كبيرة، فلو كانت الحسنات تكفر جميع السيئات لما احتاج إلى التوبة. واستدل بهذا الحديث على عدم وجوب الحد في القبلة واللمس ونحوهما لقوله [ عالجي امرأة .. ] أي داعبت واستمتعت بها , مع قوله [ وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا ..] كناية عن الجماع ، واستدلوا بهذا الحديث أيضا على سقوط التعزيز عمن أتى شيئا منها وجاء تائبا نادما

—————————–
الهوامش
(1) رواه مسلم ــ كتاب التوبة ــ باب إن الحسنات يذهبن السيئات رقم 4964، والترمذي كتاب تفسير القرآن ــ باب ومن سورة هود رقم 3112 (2) رواه البخاري ــ كتاب الرقائق برقم 5988 (3) رواه البزار (صحيح) انظر حديث رقم: 5260 في صحيح الجامع (4) رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس (صحيح) انظر حديث رقم: 3874 في صحيح الجامع.

الحياء من الإيمان

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء يقول [ إنك لتستحي ] حتى كأنه يقول [ قد أضر بك ] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( دعه فإن الحياء من الإيمان ) (1)
صدق رسولنا العظيم الكريم صلى الله عليه وسلم لأن من استحيا من الناس لا يفعل ما يخجله إذا عُرف منه أنه فعله ، فكان من أعظم بركة الحياء من الناس تعويد النفس ركوب الخصال المحمودة ومجانبتها الخلال المذمومة وتلك حقيقة الإيمان ، ومن استحى من الناس أن يروه بقبيح دعاه ذلك إلى أن يكون حياؤه من ربه تعالى أشد فلا يضيع فريضة ولا يرتكب خطيئة ، لأن المؤمن يعلم بأن الله يرى كل ما يفعله فيلزمه الحياء منه لعلمه بذلك وبأنه لابد أن يقرره على ما عمله فيخجل فيؤديه إلى ترك ما يخجل منه
قال صلى الله عليه وسلم ( الحياء والإيمان قرنا جميعا ، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر ) ) (2) وعن ابن عباس قال :الحياء والإيمان في طلق فإذا انتزع أحدهما من العبد اتبعه الآخر ، وكان الفاروق عمر رضي الله عنه يقول : من قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه . ويقول أيضا : من استحيا استخفى ومن استخفى اتقى ومن اتقى وقي
وللحياء حقيقة ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم لأصحابه ( استحيوا من الله تعالى حق الحياء ) قالوا ( إنا نستحي يا رسول الله ) قال ( ليس ذاكم ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) (3) ‌
والذين يستحي منهم الإنسان : الله عز وجل ثم الملائكة والناس ونفسه ، فمن استحى من الناس ولم يستحي من نفسه فنفسه أخس عنده من غيره لأنه يراها أحقر من أن يستحى منها ، ومن استحى من نفسه ولم يستحي من الله فلعدم معرفته بالله عز وجل فمن ثم قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي استوصاه ( أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك ) (4)
فحق الإنسان إذا هم بقبيح أن يتصور أحدا من نفسه كأنه يراه ، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه ولذلك لا يستحي من الحيوان ولا من الأطفال ولا من الذين لا يميزون ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل ومن الجماعة أكثر مما يستحي من الواحد ، وينبغي على الإنسان إذا كبرت عنده نفسه أن يكون استحياؤه منها أكثر من استحيائه من غيره ولذلك قال أحد الصالحين : من عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر
إن حياء المرء من نفسه هو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة ، فيجد نفسه مستحييا من نفسه حتى كأن له نفسين يستحي بإحداهما من الأخرى وهذا أكمل ما يكون من الحياء فإن العبد إذا استحي من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أجدر وبهذا يكون قد حاز حقيقة الإيمان
قال أبو حاتم : إن المرء إذا اشتد حياؤه صان عرضه ودفن مساويه ونشر محاسنه ، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره ومن ذهب سروره هان على الناس ومقت ، ومن مقت أوذي ومن أوذي حزن ومن حزن فقد عقله ومن أصيب في عقله كان أكثر قوله عليه لا له ، ولا دواء لمن لا حياء له ولا حياء لمن لا وفاء له ولا وفاء لمن لا إخاء له ومن قل حياؤه صنع ما شاء وقال ما أحب
ولا يفهم من الحض على الحياء وإن أضر بحق المستحي أن من استغل هذا الحياء عار عن الإثم والحيف فقد قال العلماء [ أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف ] مستنبطين ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ) (5) وعن أبي حميد رضي الله عنه قال [ لا يحل لرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس وذلك لشدة ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال المسلم على المسلم ]

—————————–
الهوامش
(1) رواه البخاري ــ كتاب الأدب برقم 5653 (2) رواه الحاكم في المستدرك 1/22 عن ابن عمر وقال صحيح على شرطهما وأقره الذهبي ( صحيح ) حديث رقم : 3200 في صحيح الجامع السيوطي / الألباني (3) رواه أحمد (حسن) انظر حديث رقم: 935 في صحيح الجامع. (4) السلسلة الصحيحة / للألباني برقم 741 (5) رواه أبو داود عن حنيفة الرقاشي.(صحيح) انظر حديث رقم: 7662 في صحيح الجامع

أضحكهما كما أبكيتهما

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال :
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال ( ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما ) (1)
من روائع هذا الدين تمجيده للبر حتى صار يعرف به ، فحقا إن الإسلام دين البر الذي بلغ من شغفه به أن هون على أبنائه كل صعب في سبيل ارتقاء قمته العالية فصارت في رحابه أجسادهم كأنها في علو من الأرض وقلوبهم معلقة بالسماء
وأعظم البر ( بر الوالدين ) الذي لو استغرق المؤمن عمره كله في تحصيله لكان أفضل من الجهاد ، الأمر الذي أحرج أدعياء القيم والأخلاق في دول الغرب فجعلوا له يوما واحدا في العام يردون فيه بعض الجميل للأبوة المهملة بعدما أعياهم أن يكون من الفرد منهم بمنزلة الدم والنخاع كما عند المسلم الصادق
قال تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )الإسراء 23- 24 بهذه العبارات الندية والصور الموحية يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء ، ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام إلى الذرية إلى الناشئة الجديدة إلى الجيل المقبل وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء إلى الأبوة إلى الحياة المولية إلى الجيل الذاهب !ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف وتتلفت إلى الآباء والأمهات
إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات . وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات ، ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر ، كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين فإذا هما شيخوخة فانية ــ إن أمهلهما الأجل ــ وهما مع ذلك سعيدان ! فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله ويندفعون بدورهم إلى الأمام إلى الزوجات والذرية وهكذا تندفع الحياة ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف ! وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد بعد الأمر المؤكد بعبادة الله
ثم يأخذ السياق في تظليل الجو كله بأرق الظلال وفي استجاشة الوجدان بذكريات الطفولة ومشاعر الحب والعطف والحنان ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) والكبر له جلاله وضعف الكبر له إيحاؤه وكلمة ( عندك ) تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة الكبر والضعف ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) وهي أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب ألا يند من الولد ما يدل على الضجر والضيق وما يشي بالإهانة وسوء الأدب ( وقل لهما قولا كريما ) وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما يشي بالإكرام والاحترام ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) وهنا يشف التعبير ويلطف ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينا ولا يرفض أمرا وكأنما للذل جناح يخفضه إيذانا بالسلام والاستسلام ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) فهي الذكرى الحانية ذكرى الطفولة الضعيفة يراعها الوالدان وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان وهو التوجه إلى الله أن يرحمهما فرحمة الله أوسع ورعاية الله أشمل وجناب الله أرحب وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء (2)
الويل كل الويل لعاق والديه والخزي كل الخزي لمن ماتا غِِضابا عليه أف لك هل جزاء المحسن إلا الإحسان إليه أتبع الآن تقصيرك في حقهما أنينا وزفيرا ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )
كم آثراك بالشهوات على النفس ولو غبت ساعة صارا في حبس حياتهما عندك بقايا شمس ، لقد راعياك طويلا فارعهما قصيرا ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )
كم ليلة سهرا معك إلى الفجر يداريانك مداراة العاشق في الهجرِ فإن مرضت أجريا دمعا لم يجر ، تالله لم يرضيا لتربيتك غير الكف والحجر سريرا ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )
يعالجان أنجاسك ويحبان بقاءك ولو لقيت منهما أذى شكوت شقاءك ، ما تشتاق لهما إذا غابا ويشتاقان لقاءك كم جرعاك حلوا وجرعتهما مريرا ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )
تحب أولادك طبعا فأحبب والديك شرعا وتذكر أصلا أنبت لك فرعا ، وتذكر طيب المرعى أولا وأخيرا ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) (3)

—————————–
الهوامش والمصادر
(1) رواه أبو داود ــ كتاب الجهاد برقم 2166 ، والحديث صححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود / الألباني برقم 2205 ، وصحيح ابن ماجه/ الألباني برقم 2242، وصحيح النسائي / الألباني برقم 3881 ، وصحيح الترغيب / للمنذري ــ الألباني برقم 2481
وفي رواية ابن ماجة ( إني جئت أريد الجهاد معك أبتغي وجه الله والدار الآخرة ) رواه ابن ماجة ــ كتاب الجهاد برقم 2772 ، وفي رواية الإمام أحمد ( وأبى أن يبايعه ) المسند للإمام أحمد ــ مسند المكثرين من الصحابة برقم 6539
(2) في ظلال القرآن ــ سيد قطب ــ دار الشروق ص 2221 (3) التبصرة لابن الجوزي (1/ 189-190)

الهدية تغسل القلوب

أحمد خالد العتيبي

بسم الله الرحمن الرحيم

حدثني أحد جيراني بقصة حصلت معه في يوم الثلاثاء 10/4/1432 .

يقول: كان أحد أقاربي يضايقني بكلامه، ويجرحني ببعض تصرفاته لي أمام الآخرين مع أن عمري تجاوز الأربعين والرجل الذي لم أسلم من لسانه عمره تجاوز الستين.

والله لم أنسه من الدعاء في سجودي ولم أنسه من الدعاء بين الأذن والإقامة فحينما أدعو لنفسي أدعو له بالمثل.

أذكر مرة كنا في مجلس وكنت قد تطيبت بعطر العود فقال أحد الأقارب ما شاء الله رائحة العود جميلة، وكان هو قريب منا فقال: لعله سرقها.

فأخبرت أخاه فقلت له: ماذا يريد أخوك مني والله لم أذكر أني أخطأت في حقه أو صار بيني وبينه خلاف سابق.

فقال: أخي هداه الله يقول لا أرتاح له.

فأخبرت أحد العزيزين علي بقصتي معه.. فقال : أوصيك بأن تذهب إلى أحد الأسواق واشتر له هدية غالية الثمن وزره في منزله وأخبره أنك تحبه في الله وأن هذه الهدية دليل على محبتك له، ولا تطل الزيارة وأنسب وقت بين المغرب والعشاء.

فتوكلت على الله وسمعت نصيحة صديقي وانطلقت إلى أحد الأسواق المعروفة بالعطور والعود واشتريت له هدية غالية الثمن والله أن قيمتها (1200) ريال.

ذهبت إلى منزله اليوم الثاني وطرقت الباب ففتح لي وعبس بوجهي وقال: نعم. ما رأيك تريد أن تدخل؟.

فقلت له: ما أتيت إلى منزلك يا الغالي إلا لكي أزورك وأسلم عليك.

فدخلت منزله وتبادلت الكلام الطيب معه واستأذنته بالخروج نظراً لضيق الوقت واقتراب وقت صلاة العشاء.

فقلت له : تعال معي لدي غرض لك في السيارة فذهب معي ثم فتحت باب سيارتي وأخرجت الهدية فقلت له: خذ هذه هدية مني لك ووالله أني أحبك في الله وهذا أقل شيء أقدمه لك.

يقول : أتدري ماذا حصل له ؟ والله بكى هذا الرجل واحتضنني وقال: أرجوك سامحني، والله أني مقصر معك، وأعترف أني أخطأت في حقك كثيراً .

الفوائد من القصة :

1- طهارة قلب هذا الرجل واحتماله على الأذى من قريبه .

2- الدعاء له بكل خير وحرصه على عدم حمل غل بقلبه لأحد .

3- شراء الهدية له وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تهادوا تحابوا) فغيرت حال الرجل.

4- أن المعاملة الطيبة سبب في إحراج المسيء مهما كان عمره أو منصبه.

5- الصبر على الأذى واحتساب الأجر وعدم مقابلة المسيء بالمثل .

الأسى لا يُنسى

حين ازداد طغيان فرعون وأذاه على بني إسرائيل وبالغ موسى وهارون عليهما السلام في النصح والتذكير لآل فرعون وأظهار المعجزات الباهرات التي تحمل العاقل على تصديقهما والإيمان بدعوتهما ، ثم وجدا القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ موسى يدعو عليهم ، وهارون معه يُؤمّن على دعائه .
ومِن حق من يدعو على الآخرين أن يذكر أولاً سبب الدعاء عليهم لئلا يتوهم السامع أن الدعاء دون سبب ولا ذنب ، ولهذا قدّم موسى عليه السلام السبب والجناية التي استحق فرعون وقومه والملأ منهم دعوة نبيّهم بالهلاك ” وقال موسى : ربَّنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ، ربنا ليضلوا عن سبيلك ، ربنا اطمسْ على أموالهم ، واشدُدْ على قلوبهم ، فلا يُؤمنوا حتى يَرَوُا العذاب الأليمَ ” فجاءهما الجواب السريع ” قد أُجيبتْ دعوتُكما ، فاستقيما ، ولا تتّبعانِّ سبيل الذين لا يعلمون ” وهنا ينبهنا الله تعالى أن العبد المستقيم على طاعة ربه مستجاب الدعوة . فلا يفرّطْ في التزام شرع ربه ، ولا يتبعْ طرق الغواية والضلال .
تفتّحت – إذاً- أبواب الدعاء ، فأوحى الله إلى نبيه موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلاً ، وأن يعبر بهم البحر ، ويذهب بهم إلى أرض فلسطين . فتجهّز موسى وأخوه ومن معهما من المؤمنين وبقية الإسرائيليين دون أن يعلم بهم الأقباط وعيونُ فرعون ، وساروا متجهين إلى البحر الأحمر – بحر القلزم – وأخذوا يجدون السير مخافة أن يدركهم فرعونُ وجنوده . فلما كان الصباح نظر الأقباط ، فوجدوا ديار بني إسرائيل قد خلت منهم ، فلم يبقَ فيها ساكن ، فأخبروا فرعون ، فجهز جيشاً جرّاراً ، وخرج على عقِبهم ، وصمم على استئصال بني إسرائيل ، فأدركهم في اليوم الثاني مع طلوع الشمس .
وكان بنو إسرائيل قد نظروا خلفهم فارتاعوا إذ رأوا فرعون بجيشه العرمرم يسرع نحوهم ، فأيقنوا بالخطر والهلاك ، وضجّوا بالصياح والعويل ، وقالوا : يا موسى ” إنا لمُدرَكون ” فأجابهم إجابة الوائق بربه المعتمد عليه ” كلاّ ؛ إن معي ربي ، سيهدين ”
هنالك أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى أن يضرب البحر ، فضربه بعصاه ، فانشقَّ عن طريق يابسة بقدرة الله تعالى ، وارتفع الماء على جانبيه ارتفاع الجبل العظيم ، وكأنهما جداران مبنيان من الزجاج القوي يمنعان الماء من ورائهما ! ” فكان كل فرق كالطود العظيم ” .
ورأى بنو إسرائيل هذه الآية العظمى فجاوزوه على انني عشر ممراً – فهم اثنا عشر فخذاً . وكان موسى وأخوه عليهما السلام وراء قومهما يشجعانهم على الإسراع في العبور – وهذا دأب القائد الرحيم ، الذي يحافظ على قومه ، ويهتم بأمرهم ، ويسعى لحمايتهم والتأكد من نجاتهم .
كان فرعون قد وصل بجنوده إلى شاطئ البحر فأسرع إلى الممر يتبع بني إسرائيل . وأراد موسى أن يضرب البحر بعصاه ليعود كما كان ماءً يمنع الجيش الزاحف أن يصل إليهم . وأراد الله تعالى أمراً آخر ، أراد سبحانه أن يُغرق فرعون وجنوده ليكونوا عبرة لمن يعتبر . فأوحى الحق سبحانه إلى نبيه موسى أن يترك البحر على حاله ” واترك البحر رهواً – أي ساكناً – إنهم جندٌ مُغرقون ”
قال تعالى ” وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ،
فأتبعهم فرعونُ وجنودُه بَغياً وعَدْواً ،
حتى إذا أدركه الغرقُ قال :
(آمنت أنّه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ،
وأنا من المسلمين ) ” .

قال جبريل عليه السلام مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم :
يا رسول الله ، لو رأيتني حين سمعت فرعون يقول ما قال ، وأنا آخذ من وحل البحر ، فأدُسّه في فمه مخافة أن تدركه رحمة الله !!!
وما فعل جبريل ذلك إلا كُرهاً للطاغية المتجبر ، وحنقاً عليه ، فقد أذاق المؤمنين ويلاتٍ ، وويلات ، قتل ذكورهم ، واستحيا نساءهم ، وسخّرهم لخدمته وخدمة أعوانه ، وعاملهم معاملة العبيد ، فتن المسلمين وحاربهم ، ونشر الكفر والفساد ، واّدعى الألوهيّة ، فخاف جبريل أن يقبل الله إيمانه دون أن ينال عقابه .
وهنا سؤال لا بد من طرحه :
إن فرعون تاب ثلاث مرات في هذا الموقف : إحداها قولُه ” أمنتُ ”
وثانيها قولُه ” لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ”
وثالثها قوله ” وأنا من المسلمين ”
فما السبب في عدم قبول التوبة والإنابة إلى الله ؟
والجواب : سبق السيف العذل ! فقد جاء إيمانُه وهو يُغَرغِر حين صار في حكم الميت أو كادَ ، فهذه توبة اليائس ، وهذا الإيمان إيمان المضطر المكره على الإيمان ، وفي هذه الحال لا تكون التوبة صادقة ، ولا الإيمان مقبولاً ، لأنه إيمان المُكره اليائس من الحياة الذي عاين عذاب الله . ” فلم يك ينفعهم إيمانُهم لما رأوا بأسنا ” وهذا كمن صدر عليه الحكم بالإعدام ، لا ينفعه الندم ولا الاعتذار .
كما أن التوبة كانت ليُتوصل بها إلى دفع البليّة الحاضرة ، والمحنة النازلة ، ولم يكن فيها إخلاص ، إنما هي ضرب من النفاق ، ولهذا جاء الجواب بالتوبيخ ” آلآن !؟ وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ؟ ” وهلاّ تبت قبل هذا ، ورجعت إلى ربك قبل أن يحيط بك الهلاك ، وهلاّ آمنت قبل هذا الزمان .
1- رواه الترمذي في كتاب التفسير /باب من سورة يونس
ج/ 4. ص / 287
2- صحيح سنن الترمذي ج/ 3 ص/61

تلك إذاً قسمة ” صحيحة

تلك إذاً قسمة ” صحيحة

دخلت حسناء البيت مسرعة ، فوجدت أمها ترتب الطعام على المائدة ، فبعد قليل يأتي والدها من العمل متعباً ، فيأكل ثم يصلي ليرتاح قليلاً قبل زيارة الجدة ، فشرعت في مساعدة أمها ، وأخبرتها أن معلمتها ذكرت لها قصة الحلاّبة وابنتها، فأعجبت بالبنت ونزاهتها وحسن إيمانها ، ورغبت أن تكون مثلها في التزامها آداب هذا الدين العظيم والتمسّك بأهدابه …. ولم تنتظر أن تطلب أمها أن تقص عليها قصتها ، فبدأت تقول :
إن الفاروق عمر رضي الله عنه خليفة المسلمين انطلق وخادمُه يعُسّ طرقات المدينة ، ويتفقد أمور المسلمين ، فسمع امرأة تقول لابنتها : يا بنيّة امزقي ( اخلطي وامزجي )اللبن بالماء – كي يكثر فيزداد الربح- فقالت البنت لأمها : أم تعلمي أن أمير المؤمنين حذرنا من الغش، ومنع مزج الحليب بالماء ؟! قالت لها أمها : وأين منا أمير المؤمنين ؟ … ردت البنت قائلة : إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فربه سبحانه يرانا !…
أُعجب الفاروق بدين الفتاة وكريم خُلُقها ، وأمر صاحبه أن يضع علامة على البيت ، وقال له : ايتني بخبر أهل الدار …
وفي الصباح قال خادمه : إنها امرأة تبيع الحليب وابنتها . فسأل الخليفة ابنه عاصماً : هل لك في زوجة صالحة ؟ قال : نعم . فزوجه منها . فكانت هذه الزوجة الصالحةُ جدةََ الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز.
فرحت الأم بابنتها ، وقبّلتها ، وقالت: إنّ السُّحت يا ابنتي لا بركة فيه ، ويُردي صاحبه في النار ، والحلال يرفع شأن صاحبه في الدنيا ، ويهديه إلى الجنة .
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم روى لأصحابه قصة مشابهة لما رويتِ ، سأقصها عليك الآن ونحن نرتب الطعام على المائدة قبل أن يصل والدك .
تعلمين يا حسناء أن الخمر لم يكن محرّماً في أول الإسلام ، ثم بدأت الدائرة تضيق على تناوله حتى حرّمه الله تعالى في قوله سبحانه ” يا أيها الذين آمنوا ، إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ، فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ؟ ” قالوا : انتهينا ، يا رب ، انتهينا .
ولعله كان في الأمم السابقة غير محرّم كذلك .
فقد انطلق رجل بسفينته في النهر ، يقف على هذه القرية وتلك القرية ، وهذا الحي وذاك ، يبيع الخمر للناس . وكان غشّاشاً ، يخلط الخمر بالماء ليزداد بيعه ، فيزداد ربحه . وكثير من الناس في أيامنا هذه يفعل مثله ظنّاً منهم – وهذا قلة في الدين ، وضعف في اليقين – أنهم يسرعون في الثراء ، فيَشـُوبون الجيد بالرديء ، او يمزجون المتقاربين في النوع ليجنوا المال الكثير بالطرق غير المشروعة ، فيخسرونه وأضعافه بطرق لا يشعرون بها ، فقد تكون المرضَ ، أو السرقةَ أو الضياعَ أو الإسرافَ أو النكدَ في الحياة الذي يطغى على كثرة المال ، فيفقدُ الإنسانُ الراحة وطعم السعادة .. وهذا كلُّه لا يساوي شيئاً أمام عذاب الله تعالى وغضبه … فما نبت من سحت فالنار أولى به .
باع الرجل ” الخمر المائيّ” ، ووضع الدنانير في كيسه ، وانطلق بسفينته عائداً إلى بيته ، والسعادة تملأ نفسه ، والأمل في جمع ثروة كبيرة يراوده . وبينما هو في أحلامه ، وقردُه إلى جانبه يقفز هنا وهناك اختطف القردُ الكيسَ ، وصعِد به إلى سارية السفينة . فانخلع قلب التاجر لمصير الكيس ، فقد يطيح به القرد في الماء ، فيخسر تجارته وأحلامه الوردية التي خامرَتْه . وقد يفتحه ، فتتساقط بعض الدنانير في الماء ، ويغيب بعضها في ثنايا الألواح ….
أيها القرد ؛ أيها القرد؛ بالله عليك انزل . فلما لم ينزل ناداه : ارم الكيس إليّ بهدوء ، ولا تفجعني في مالي …
لم يفهم القرد توسّلَه ، بل تمكّن من جلسته أعلى السارية ، وحلَّ رباطَ الكيس …؛ نظر في داخله …؛ مدّ يده إلى الدنانير الذهبيّة ، فأخرج ديناراً ، وقلّبَه بيده كأنه يروزه ( يختبره ويتعرّفه) ثم ألقاه أسفل منه ، فسقط في السفينة ، فابتدره التاجر … ورفع رأسه إلى حيث يجلس القرد … كان التاجر متوثّباً مشدودَ الأعصاب .. لقد مدّ القرد يدَه إلى الكيس ، وأخرج ديناراً قلّبه بيده ، فاستعدّ التاجر لتلقّيه .. ليس في الأمر حيلة سوى ذلك ، لقد ترك دفّة السفينة ليتفرّغ للالتقاط الدنانير …. يا ويح التاجر ، لقد رمى القرد الدينار في الماء بين الأمواج ، ورمى التاجر رأسه على عمود السارية من الغيظ والقهر .. وعاد ينظر بتوسّل ظاهر إلى القرد ، ولكنْ هذه المرة دون أن يناديه ، إذ انعقد لسانه .. فرمى القرد إليه ديناراً ، فأسرع إلى التقاطه ، ورمى الدينار الرابع إلى الماء … يا ويحه ، ما عادت رجلاه تحملانه .. سقط على الأرض ، وعيناه متعلقتان بالقرد وصنيعه …
ازدادت سرعة يد القرد ، واستمر التوزيع العادل في القسمة .. دينارٌ يٌرمى على السفينة ، وآخر يُلقى إلى الماء …. وفرغ الكيس ، ونزل القردُ … أخذ التاجر نصيبَه من ثمن الخمر ، وأخذ النهر نصيبه من ثمن الماء الممزوج بالخمر …
أليست القسمة صحيحة ، والقردُ قاضياً عادلاً ، وحكَماً نزيهاً ؟! !
وقد نال التاجر نصيبه من الحزن والألم في الدنيا . وسينال جزاءَه في الآخرة ناراً تلَظّى ، لا يصلاها إلا الأشقى .. هذا إذا لم يتق الله تعالى ، ويتـُب ، ويعفُ الكريمُ عنه.
مسند الإمام أحمد ج2ص306

يطلعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنَّة

كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً مع أصحابه في المسجد فقال لهم: يطلعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة!
فدخلَ رجلٌ من الأنصارِ تقطرُ لحيته ماءً من أثر الوضوء.
فلما كان الغد، قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يطلعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة!
فدخلَ الأنصاريُّ ذاته الذي دخل في اليوم الأول.
ولما كان اليوم الثالث، قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يطلعُ عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة!
فإدا بالأنصاري نفسه يدخلُ المسجد!
فلما انفضَّ المجلس، قامَ عبدُ الله بن عمرو بن العاص إلى الأنصاريِّ وقال له:
لقد تخاصمتُ مع أبي، وأقسمتُ أن لا أدخلَ عليه ثلاثة أيام، فإن رأيتَ أن تستضيفني عندكَ حتى تمضي هذه الأيام!
فقال له: أهلاً ومرحباً.
فمكثَ عنده عبد الله ثلاثة أيام فلم يَرَهُ يقوم من الليل شيئاً، وليس له في النهار زيادة عبادات عما كان يفعله الصحابة، غير أنه إذا استيقظَ في الليلِ ذكرَ الله في فِراشه حتى يُؤذِّن المُؤذِّن لصلاةِ الفجر فيقوم فيُصلِّي!
ولمَّا انقضتْ الأيام الثلاثة، وكادَ عبد الله يستصغرَ عمل الأنصاري، قال له: لم يكُنْ بيني وبين أبي هجرٌ ولا خُصومة، غير أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة، فكنتَ أنتَ في الثلاث، فأردتُ أن أعرفَ ما تفعل حتى نلتها!
فقال الأنصاريُّ: ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أجدُ في نفسي لأحدٍ من المُسلمين غِشاً، ولا أحسِدُ أحداً على خير أعطاه الله إياه!
فقال له عبد الله: هذه التي بلغتْ بكَ وهي التي لا نُطِيقُ!
أَصْلِحْ قلبكَ ثم لا يَضُركَ أنكَ لم تقُم إلا بالفرائض، فما يُؤتى الناس إلا من خراب قلوبهم!
لا أجدُ في نفسي غِشاً لأحدٍ من المُسلمين: صِدقٌ في المِعاملةِ، وصِدقٌ في البيعِ، وصِدقٌ في الشراء، وصِدقٌ في المشورةِ، وصِدقٌ في النصيحةِ، وفي الحديثِ «من غشنا فليس منا»!
ولا أحسدُ أحداً على خير أعطاه الله إياه: شرُّ ما مُلِئ به القلبُ بعد الشِرك هو الحسد، والحسد أول ذنبٍ عُصيَ الله به في السَّماء، فما حملَ إبليس على كرهِ آدم عليه السَّلام ثم عدمِ الامتثالِ لأمر الله سُبحانه بالسجود إلا الحسد، حين ظنَّ أنه خيرٌ من آدم عليه السَّلام، وأوْلى بهذه المكانة منه! اِقنعْ بما قسمَ الله لكَ تكُنْ أغنى الناس، ولا تنظُرْ إلى ما في يدِ غيرك، لأنكَ إن فعلتَ فلن تجدَ وقتاً لتحمدَ اللهَ على ما أعطاكَ، وفي الحديث «إياكم والحسد، فإن الحسد يأكلُ الحسنات كما تأكلُ النارُ الحطب»!

مسابقة رمضان طريقي للجنان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كعادتنا كل عام نقوم بمسابقة في رمضان
والهدية ستكون
افطار 500 شخص في رمضان
ولكي يكون لكم نصيب من هذه الهدية يجب تطبيق

3 من هذه الشروط:

1_ ختم القرآن الكريم مرتين
2_الاستغفار باليوم اكثر من 100 مرة
3_ المداومة على اذكار الصباح والمساء والنوم
4-الحرص على النوافل
5- حفظ 10 آيات في اليوم
6_حفظ حديث شريف باليوم

في أول يوم ايام عيد الفطر سنرسل لكم تقرير عن الهدية

يحق للجميع المشاركة

إنه شفيعُنا: صلى الله عليه وسلم

قال التلميذ لأستاذه : ما يفعل الله بالناس يوم الحشر؟
قال الأستاذ :
يجمع الله تعالى الناس ومعهم الجن والحيوان والطير ، وتحيط بهم الملائكة ، وتقترب الشمس منهم قدْر ميل .
قال التلميذ : وهل يتحملون ذلك الحرّ يا أستاذ ؟!
قال الأستاذ :
الناس هنالك على قدر إيمانهم وأعمالهم . فمنهم من يصل عَرَقـُه إلى كعبيه ، ومنهم إلى ركبتيه ، ومنهم من يصل العرق إلى صرته ، ومنهم إلى أثدائهم ، ويصل العرق ببعضهم إلى فمه ، يكاد يُغرقـُه .
قال التلميذ : أهنالك يحاسبهم الله على أعمالهم ؟
قال الأستاذ :
لا ؛ إن يوم القيامة مواقف ، والحشر انتظار يطول على الكافر والعاصي ، أما المؤمن فإن الله يُظله تحت ظله ، يوم لا ظلّ إلا ظلُه .
قال التلميذ : ماذا يفعل الناس بهذا الموقف ؟
قال الأستاذ :
يشتدّ على الكافرين ما هم عليه ، ويحسبون أنه العذاب الشديد . فيدعون ربّهم أن يخلصهم منه ولو إلى جهنّم .
قال التلميذ : وهل العذاب في جهنّم أقل سوءاً؟! .
قال الأستاذ :
بل أشد بكثير ، إنما طول الموقف وشدّتُه عليهم يدفعهم إلى التعوّذ منه والتخلّص من بلواه ، ولو إلى ما هو أشدّ منه .
قال التلميذ : ما يفعل المؤمنون في ذلك اليوم العصيب؟.
قال الأستاذ :
إنهم أيضاً يرجون الخلاص منه حين يقربهم الله تعالى إلى الجنة فيرونها ويرجونها مشتاقين إليها .
قال التلميذ : فماذا يفعلون إذاً ؟ .
قال الأستاذ : يذهبون إلى أبيهم آدم يستشفعون به عند ربهم ، ليفتح لهم الجنّة .
قال التلميذ : فهل يفعل آدم ذلك ؟
قال الأستاذ :
يقول آدم : أتريدون دخول الجنة بشفاعة أبيكم ، وهو الذي أخرجكم منها حين عصى أمر ربه فأكل من الشجرة ؟! .. لست صاحب التشريف بهذا المقام المنيف ، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله ، فلعله يشفع لكم عند ربكم .
قال التلميذ : فهل يذهبون إلى إبراهيم ، فيجيبهم ويشفع لهم ؟
قال الأستاذ :
يذهبون إليه حقاً ، ويقولون : يا خليل الله استفتح لنا الجنة ، فيقول : معتذراً لست صاحب تلك الدرجة الرفيعة التي تؤهلني لما تطلبون . .. يقولون : ولكنّك خليل الله ؛ ألم يرفع ربك مقامك حين قال : ” واتخذ الله إبراهيم خليلاً ” ؟! .. فيقول : بلى : كنت لله خليلاً ، ولكنه سبحانه لم يكلمني ولم أره . إنما كان ذلك عن طريق سفيره جبريل .
يقولون : فماذا نفعل ، وإلى من نذهبُ؟ .. فيقول إبراهيم الخليل : اعمدوا إلى موسى ، فقد كلمه الله تكليماً دون وساطة ، واصطفاه على الناس برسالاته وبكلامه ، فأنا وراءه في المنزلة ، ووراءَ منْ وراءه .
قال التلميذ : وهل يذهبون إلى موسى ، ويسألونه أن يشفع لهم بدخول الجنّة ؟ .
قال الأستاذ : لقد ذهبوا ، وسألوه الشفاعة ، وذكّروه بمكانه من الله تعالى .
قال التلميذ : فبم أجابهم ؟ هل شفع فيهم عند الله تعالى ؟
قال الأستاذ :
أجابهم بما أجابهم به من قبلُ آدمُ وإبراهيمُ : لست بذلك المقام الذي يؤهلني لما طلبتم ، فاذهبوا إلى عيسى بن مريم ، فإن كان الله قد كلّمني فهو كلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه.
قال التلميذ : فما تقصد – يا أستاذ – من قول موسى : إن عيسى كلمة الله وروح منه؟ .
قال الأستاذ :
أما كلمته فقد أوجده دون أب بكلمة ” كن ” وهذا أمر بديع عجيب . خالف فيه سبحانه سنّتَه ليكون عيسى حجة الله على عباده ، كما جعله يتكلم وليداً .
وأما روحُه فقد جعله ذا روح وحياة دون ماء يجري في رحم أمه ، وأحيا به الموتى فكلموا الناس .
قال التلميذ : فهل يتوسط لهم ، ويسأل الله تعالى أن يفتح لهم الجنّة ، وينقذهم من شدّة الموقف؟
قال الأستاذ : لا ؛ إنما يجيبهم بما قاله لهم آدم وإبراهيم وموسى : لست أهلاً لتلك الدرجة الرفيعة ، إنها ليست لي .
قال التلميذ : فإلى أين يذهبون ؟ وعلى من يُعَوّلون ؟
قال الأستاذ :
وهل هناك غير رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ؟ لقد دلّهم عليه عيسى عليه السلام قائلاً : إنه الشفيع المشفـّع ، صاحب لواء الحمد والمكانة السامية التي لا يرقى إليها أحد . إنه من كلم الله في السموات العلا حين عرج إليها ، ورأى نوره سبحانه ، فأين الأنبياء منه ، وإن عَلَوا ، والمرسلون ، وإن سَمَوا ؟!
قال التلميذ :
فماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يذهبون إليه ، يستشفعون به ، ويستفتحونه ؟ .
قال الأستاذ : يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا لها ، أنا لها .
وينطلق إلى مقدمة العرش ، ويسجد لله سبحانه ، ويفتح الله تعالى عليه بمحامد يحمد بها الله تعالى ، لم يفتح عليه بها من قبل . يقول سبحانه وتعالى : قم ؛ يا محمد ؛ واشفع تُشَفع ، وسل تعطه ، واطلب يُستجب لك .
قال التلميذ : يا أستاذي الكريم ؛ لِمَ لمْ يدلهم الأنبياء عليه ابتداءً ؟.
قال الأستاذ :
أحسنت يا بني ، إنك لبيب أريب ، سألتَ سؤالاً يدل على ذكاء وبُعد نظر ، إن تعليل ذلك من جوانب عِدّة ، منها :
أولاً : أن الموقف عظيم ، وأنهم – وإن كانوا أنبياء ورسلاً عظاماً – فلكل درجته ومقامه الذي يقف عنده لا يتعدّاه .
ثانياً : أن كل واحد منهم حين يقدّم غيره إنما يُظهر فضله وعلوّ مكانته بما اختصّه الله به .
ثالثاً : أن الحكمة في إلهام الناس سؤالَ آدم والبدء به ، ثم الانتقال إلى مَن بعدَه ، واعتذار كل منهم بأنه ليس أهلاً لذلك إظهارُ كمال شرفه صلى الله عليه وسلم على سائر الرسل . إذ لو جاء الناس إليه أوّلاً ، وأجابهم ، وشفع فيهم ، لم يظهر كمال التمييز . إذ كان احتمال أن هذا الأمر له ولغيره من الرسل . فلما تأخر كلٌّ عن ذلك ، وتقدم هو له عُلم أنه السيّد المقدَّم صلى الله عليه وسلم .
رابعاً : ويُحتمل أنهم علموا أن صاحب الشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، فتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على سبيل التدريج إليه ، وإظهار فضله .
خامساً : أن الأخير وإن كان أفضل فمن الخير تقديم الأجداد والآباء على الأبناء.
سادساً : لإظهار أهمية الموقف وفضل الشفاعة ، فإن الناس لو نالوها مباشرة لم تظهر أهميتُها وعظيمُ أثرها .
قال التلميذ : إيهِ يا أستاذي الكريم ؛ إني لمتشوق لمعرفة ما يحصل بعد ذلك .
قال الأستاذ : حينئذ يرفع الرسول الكريم رأسه ويسأل الله تعالى أن يجوز الناس الصراط إلى الجنة.
قال التلميذ : وما الصراط يا استاذي ، وما أهمية ذلك ؟
قال الأستاذ :
إنه الجسر الذي ينصب فوق جهنم يقطعه الناس إلى الجنة ، فأما من ثقلت موازينه فقد أفلح ، وأما من خفت موازينه فقد سقط في جهنم ، والعياذ بالله .
قال التلميذ : فكيف يجوزه الناس يا أستاذ ؟
قال الأستاذ : حين يُنصب الصراط تقف الأمانة عن يمينه ؛ والرحم عن يساره – لعظم أمرهما وكبير أثرهما – يُصَوّران شخصين على الصفة التي يريدها الله تعالى … فمن أدّى الأمانة إلى أهلها ، وكان عفّ اللسان ، طاهر القلب ، نقيّ السريرة ، يؤدي فرائضه ، ويعمل بما أمر الله تعالى ، وينتهي عن نواهيه ، يعين على نوائب الحق ، ويساعد المحتاجين ، ويكف أذاه عن الناس . ومن كان يصل رحمه فبرّ أباه وأمه ، وأحسن إلى إخوته وأهله وعشيرته ، وعفا عمّن ظلمه ، ووصل حبال من قطعه جاز الصراط ، ووصل إلى الجنّة . ومن كان خلاف ذلك هوى في نار جهنم .. نسأل الله العافية .
قال التلميذ : فكيف يمرّ الناس على الصراط؟
قال الأستاذ :
أحسنتَ يا بني في سؤالك هذا … يمر الناس على الصراط حسب أعمالهم ، فمن كان وليا لله ، مقيماً لشعائر دينه ، مجاهداً في سبيل الله ، باع الدنيا ، واشترى الآخرة جاز الصراط كالبرق – طرفة عين – وهؤلاء هم الصفوة المختارة الذين يمرون دون أن يشعروا أنهم مروا لسرعتهم . فما أكرمهم على الله ؟!.. ثم تأتي الفرقة الثانية ، فيمرون على الصراط سرعةَ الريح … ثم تأتي الفرقة الثالثة ، فيمرون على الصراط سرعةَ الطير … ثم تقل المراتب والأعمال ، فيكون المرور على الصراط مناسباً لأعمالهم .
قال التلميذ : وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ؟
قال الأستاذ : إنه عليه الصلاة والسلام قائم على الصراط يدعو الله النجاة لأمته قائلاً : ربِّ سلّمْ سلّمْ ، والأنبياء تقول مثل هذا همساً . لهول الموقف وشدّة وطأته . حتى تعجز أعمال العباد .
قال التلميذ : فماذا بعدُ يا أستاذُ ، أرجو أن توضح أكثر .
قال الأستاذ : لا يبقى سوى العاصين ، وعلى جانبي الصراط كلاليب من حديد معقوفة الرأس ، فمن كان قليل العصيان سار سيراً حثيثاً ، ولربما أصيب بأذىً ، فخدشته الكلاليب ، لكنه ينجو من النار ولهيبها . ومنهم من يكون بطيئاً في سيره ، وبعضهم لكثرة ذنوبه لا يستطيع السير إلا زحفاً والكلاليب تأكل من جسمه وتزعزع أركانه، لكنّ الله ينجيه ، فهي لا تعلق إلا بمن أُمرت به ، فتلقيه في أتون جهنم .
أما الجبابرة والمتغطرسون من أمة الإسلام فتلقي بهم الكلاليب في قعر جهنم والعياذ بالله .. أتدري متى يصل الذي تعلق به الكلاليب فتكردسه إلى قعرها ؟! بعد سبعين سنة من سنواتنا هذه ، نسأل الله العافية .
أما الكفار فيُؤخذون مكبلين إلى جهنم ليخلدوا فيها أبد الآبدين ….
قال الأستاذ والتلميذ :
اللهم إنا نسألك الجنة ، وما قرّب إليها من قول أو عمل ،
ونعوذ بك من النار ، وما قرّب إليها من قول أو عمل .
اللهم ارحمنا ، فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا ، فإنك علينا قادر .

رواه مسلم
رياض الصالحين / باب الأمر بأداء الأمانة